سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

23

الإكسير في علم التفسير

البليغ يراعي فيه أحوال العبارة بالإضافة إلى المعنى ، ولا شك أن : إياك نعبد وإياك نستعين ، أعدل مما لو حذفت الثانية ، فلو حذفت الثانية لنقصت عن الأولى جزءا ، وزال الاعتدال والتناسب . أما التكرار غير المفيد ، وهو ما لم يرد في القرآن ، وإنما ورد في الشعر كقول المتنبي : ولم أر مثل جيراني ومثلي * لمثلي عند مثلهم مقام فكرر لفظ ( مثل ) أربع مرات ، وحاصله : إن مقام مثلي بين مثلهم عجيب . وهو تكرار خال من الفائدة . وثمة نوع آخر من التكرار ، وهو تكرار المعنى دون اللفظ نحو : أطعني ولا تعصني ، فالمعنى متكرر ، فالأمر بالطاعة هو نهي عن المعصية ، والغرض منهما واحد ، وهو عدم التمرد عليه والخلاف له . ومن ذلك قوله تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً ( النساء 14 ) ، فذكر تعدي الحدود يؤكد الوعيد على المعصية . ويخبرنا الطوفي في كتابه الإكسير أن الخطاب بالجملة الاسمية أبلغ وآكد من الخطاب بالجملة الفعلية ، وانظر إلى حقيقة ذلك من قوله تعالى : وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا : آمَنَّا ، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا : إِنَّا مَعَكُمْ ( البقرة 14 ) ، فالمنافقون يخاطبون المؤمنين بقولهم ( آمنّا ) بالجملة الفعلية ، فدلّ على كذبهم ، إذ لو صدقوا لأكدوا وأخبروا بالجملة الاسمية ، كما قالوا لشياطينهم ( إنّا معكم ) فدلّ على صدقهم في ذلك . وكما قال المؤمنون : رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ( الدخان 12 ) ، فإنه أقرهم على ذلك ولم يرد عليهم ، في حين أنه رد على الأعراب حين ادعوا الإيمان كذبا : ( قالت الأعراب آمنّا ) فرد عليهم قائلا : قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ( الحجرات 14 ) . ويخبرنا أيضا أن ورود الكلام بلام التأكيد لا يكون إلا لأمر يعزّ وجوده وفعل